ابو بكر بن طفيل
84
حي بن يقظان
ولا هي نفس الفلك ، ولا هي غيرها ؛ وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة من المرائي الصقيلة ، فإنها ليست هي الشمس ، ولا المرآة ، ولا هي غيرهما . ورأى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال والبهاء والحسن ، ما يعظم عن أن يوصف بلسان ، ويدق عن أن يكسى بحرف أو صوت ؛ ورآه في غاية من اللذة والسرور والغبطة والفرح ، بمشاهدته ذات الحق - جل جلاله . فلك الكواكب الثابتة وشاهد أيضا للفلك الذي يليه ، وهو فلك الكواكب الثابتة ، ذاتا بريئة عن المادة أيضا ، وليست هي ذات الواحد الحق ، ولا ذات الفلك الاعلى المفارقة ، ولا نفسه ، ولا هي غيرها . وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من مرآة أخرى مقابلة للشمس . ورأى لهذه الذات أيضا من البهاء والحسن واللذة ، مثل ما رأى لتلك التي للفلك الاعلى . فلك زحل وباقي الكواكب المتحركة وشاهد أيضا للفلك الذي يلي هذا ، وهو فلك زحل ، ذاتا مفارقة للمادة ، ليست هي شيئا من الذوات التي شاهدها قبله ، ولا هي غيرها ، وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من مرآة مقابلة للشمس . ورأى لهذه الذات أيضا مثل ما رأى لما قبلها من البهاء واللذة . وما زال يشاهد لكل فلك ذاتا مفارقة بريئة عن المادة ، ليست هي شيئا من الذوات التي قبلها ، ولا هي غيرها ؛ وكأنها صورة الشمس التي تنعكس من مرآة على مرآة ، على رتب مرتبة ، بحسب ترتيب الأفلاك . وشاهد لكل ذات من هذه الذوات من الحسن والبهاء واللذة والفرح ، ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، إلى أن انتهى إلى عالم الكون والفساد ، وهو جميعه حشو فلك القمر . فرأى له ذاتا بريئة عن المادة ، ليست شيئا من الذوات التي شاهدها قبلها ، ولا هي سواها .